عمر فروخ
89
تاريخ الأدب العربي
تكلّمت به من جيد الموزون ، فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره » . ومن خصائص النثر الجاهلي أنه كثير الفواصل والموازنة ، مقتصد في السجع قليل الصناعة . ويدور النثر الجاهلي على الحكم والأمثال وعلى الخطب والوصايا . والخطابة قديمة وعامّة في جميع الأمم . ويروي الجاحظ أن الفرس أخطب الأمم كلّها . والخطابة صعبة لحاجة الخطيب إلى البداهة والارتجال . والبدو أحسن خطبا من المولّدين ومن أهل المدن عامة ، لأن البدوي يجري على الطبع والسليقة ولا يتكلّف في شيء . وتكون الخطب طوالا وقصارا ، إلا أن القصار أفضل لأنها أسرع علوقا بالذاكرة وأطول مكثا فيها . وفي أواخر العصر الجاهلي ارتفعت مكانة الخطيب وانحطّت مكانة الشاعر ، لأن نفرا من الشعراء كالنابغة والأعشى اتّخذوا الشعر مكسبة وتجارة . وإذا كان الشك يتطرق إلى الشعر ، فان تطرقه إلى النثر أسرع وأكثر ، ذلك لأن النثر غير منظوم فيسهل التلاعب به على الألسن . وبما أننا لسنا على ثقة من أن جميع النصوص النثرية قد رويت لنا عن الجاهلية بلفظها الأول فقد أصبح لزاما على من أراد أن يتعرّف إلى أساليب الجاهليين في نثرهم أن يتلمّسها في القرآن الكريم ، فان حجة ذلك الآية الكريمة : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » ( 14 : 4 ) ، ففي القرآن الكريم جميع أساليب العرب . ومن أوجه النثر في الجاهلية الأمثال والوصايا وسجع الكهّان : أما الأمثال فهي جمل قصيرة وجيزة تدل على صحة الرأي وصدق الاختبار . وربما نشأ المثل من لفتة لشاعر في بيت من الشعر أو من برقة فكر لرجل في أثناء حديث فوافق ما ألفه الناس في حياتهم فأصبح قاعدة في السلوك الانساني ( خيرا أو شرا ) أو واقعا لا مفرّ منه . ومع أن المثل قول حكيم على كلّ حال ، فإنه غير الحكمة . ان الحكمة قول صائب في حال مخصوصة ، بينما المثل قول موافق للواقع يعمل الانسان به . فمن أمثال الجاهلية المختلفة المراتب : إنّك لا تجني من الشوك العنب ( لا تنتظر الخير مما هو شرّ في نفسه ) - البس لكلّ